موقع
الآثار النبوية
التبرك بآثار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من شعره أو ظفره أو ثوبه
أمر حسن موافق لشريعة الله ، وقد حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجة
الوداع وقال للحلاق: (اقسم الشعر) فقسمه بين الناس. وفي عمرته بعد حجته أخذ خالد
بن الوليد رضي الله عنه شعر ناصية الرسول صلى الله عليه وسلم تبركا به ووضعه في
قلنسوته ، ففقدها مرة في بعض غزواته، ففتش عنها حتى وجدها فقال: إن فيها شعر ناصية
الرسول صلى الله عليه وسلم ، ما كانت معي في غزوة إلا رُزقت النصرة.
وتناقل المسلمون شعرات الرسول
صلى الله عليه وسلم من يد إلى يد إلى هذا العصر ، وقد ظهرت بركات من ذلك.
واعلم أرشدنا الله واياك أن التبرك بأثار الأنبياء صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين سنة مأثورة عند المؤمنين ، لما لهم من الفضل على ساثرالخلق ،
والكرامة عند الله تعالى.
والتبرك لغة هو طلب البركة أي
الخير. والتبرك اصطلاحا هو: طلب الحصول على الخير على وجه السبب، معناه أريد من
الله أن يجعل لي البركة من أجل الرسول أو الولي، وليس المراد أن يخلق الرسول أو
الولي البركة، لأن عقيدة كل مسلم أن الأنبياء والأولياء لا يخلقون شيثا، بل هم
أسباب، والله يخلق البركة.
ولا شك أن ءاثار رسول الله
محمد صلى الله عليه وسلم صفوة خلق الله
وأفضل النبيين أثبتُ وجودًا وأشهر ذكرا وأظهر بركة ، وقد شهدها الجمع الغفير من
أصحابه ، وأجمعوا على التبرك بها والاهتمام بجمعها، وهم الهداة المهديون ، والقدوة
الصالحون ، فتبركوا بشعراته صلى الله عليه وسلم
وبفضل وَضوئه وبعرقه وبثيابه وءانيته وبمس جسده الشريف ، وبماء جبّته ، كما
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، وبغير ذلك مما عرف من ءاثاره الشريفة التي
صحت بها الأخبار عن الأخيار. فلا جرم إن كان التبرك بها سنة الصحابة رضي الله عنهم
، واقتفى ءاثارهم في ذلك من نهج نهجهم من التابعين وصلحاء المؤمنين. وقد وقع
التبرك ببعض ءاثاره صلى الله عليه وسلم في عهده وأقره ولم ينكر على المتبرك ، فدل
ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته ء ولو لم يكن مشروعا لنهى عنه صلى الله عليه وسلم
وحذّر منه ، بل تدل الأخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته.
ففي صحيح البخاري أن عبد الله
بن سلام الصحابي الذي هو ممن أوتي أجره مرتين قال لأبي بردة: ( ألا أسقيك في قدح
شرب النبي صلى الله عليه وسلم فيه ).
وقد أخرج البخاري أيضا بإسناده
إلى سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه حديثا قال فيه: ( فأقبل النبي صلى الله
عليه وسلم حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه ثم قال: (اسقنا يا سهل) فأخرجت
لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه ، قال أبو حازم: ( فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه
تبركا برسول الله صلى الله عليه وسلم) ، قال: (ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد
العزيز من سهل فوهبه له).
وأخرج البخاري في صحيحه
بإسناده إلى إسرائيل بن يونس عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب مولى ءال طلحة أنه
قال : أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، بقدح من ماء (وقبض إسرائيل ثلاث أصابع) من فضة
فيه شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم
وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شىء بعث إليها مِخْضَبَه، فاطلعت في الجلجل
فرأيت شعرات حمرًا. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني
في فتح الباري: (والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناءً إلى أم سلمة فتجعل فيه تلك
الشعرات وتغسلها فيه وتعيده فيشربه صاحب الإناء أو يغتسل به استشفاءً بها فتحصل له
بركتها). وقال القسطلاني: ( والحاصل من
معنى هذا الحديث أن أم سلمة كان عندها شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم حمر محفوظة للتبرك في شىء مثل الجلجل ، وكان
الناس يستشفون بها من المرض ، فتارة يجعلونها في قدح من ماء ويشربونه ، وتارة في
إجَّانة من الماء فيجلسون في الماء الذي فيه الجلجل الذي فيه تلك الشعرات الشريفة
).
الجلجل شيء يشبه القارورة يحفظ
فيه ما براد صيانته .
إجَّانة : وعاء يحفظ فيه
الماء.
التبرك بآثار النبي
اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا
يتبركون بآثار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته وبعد مماته ولا زال
المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك، وجواز هذا الأمر يُعرف من فعل النبي صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ شَعَره
حين حَلَق في حَجة الوداع وأظفاره.
أما اقتسام الشعر فأخرجه البخاري ومسلم من
حديث أَنَس ، ففي لفظ مسلم عنه قَالَ : لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله
عليه وسلم- الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ
الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِىَّ فَأَعْطَاهُ
إِيَّاهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ « احْلِقْ ». فَحَلَقَهُ
فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ « اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ ».
وَفِي رِوَايَة : فَبَدَأَ بِالشِّقِّ
الْأَيْمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ
قَالَ بِالْأَيْسَرِ فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : « هَهُنَا أَبُو
طَلْحَةَ » ، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ.
وَفِي رِوَايَة أنه عليه الصلاة والسلام
قَالَ لِلْحَلَّاقِ هَا ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ
فَقَسَمَ شَعَرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الْحَلَّاقِ وَإِلَى
الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّ سُلَيْمٍ .
فمعنى الحديث أنه وزّع بنفسه بعضاً بَيْنَ
النَّاسِ الذين يلونه وأعطى بعضًا لأَبِي طَلْحَةَ ليوزعه في سائرهم، وأعطى بعضًا
أُمَّ سُلَيْمٍ ، ففيه التبرك بآثار الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقد
قسّم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
شعره ليتبركوا به وليستشفعوا إلى الله بما هو منه ويتقرّبوا بذلك إليه
وليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم. ثم تبع الصحابة في خطتهم في التبرك بآثاره
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسعده الله وتوارث ذلك الخلف عن السلف.
وأما اقتسام الأظفار فأخرج الإمام أحمد في
مسنده أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلّم أظفاره وقسمها بين الناس.
أما جُبَّته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أخرج
مسلم في الصحيح عَنْ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ : هَذِهِ
جُبَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجَتْ إِلَىَّ
جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ وَفَرْجَيْهَا
مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى
قُبِضَتْ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا وَكَانَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا. وَفِي
رِوَايَة عند أحمد وإسحاق بن راهويه : "نغسلها للمريض منّا".
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ حِذْيَمٍ قَالَ : وفدتُ مع
جَدِّى حِذْيَمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
إِنَّ لِى بَنِينَ ذَوِى لِحًى وَدُونَ ذَلِكَ وَإِنَّ ذَا أَصْغَرُهُمْ فَادْعُ
اللَّهَ لَهُ. فأدناني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ رَأْسي
وَقَالَ « بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ». قَالَ الذَيَّالٌ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ
حَنْظَلَةَ يُؤْتَى بِالرَجُلِ الوَارِمِ وَجْهُهُ أَوِ الشَّاةِ الْوَارِمِ
ضَرْعها فَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ عَلَى مَوْضِعِ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَمْسَحُهُ فَيَذْهَبُ الْوَرَمُ.
رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وأحمد في حديث
طويل ورجال أحمد ثقات.
وَعَنْ ثابت قال: كنت إذا أتيت أنساً يخبر بمكاني،
فأدخل عليه، فآخذ بيديه فأقبّلهما، وأقول: بأبي هاتين اليدين اللتين مستا رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتين العينين اللتين رأتا
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أبي
بكر المَقدميّ وهو ثقة.
وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِى صَالِحٍ قَالَ أَقْبَلَ
مَرْوَانُ يَوْماً فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعاً وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ
أَتَدْرِى مَا تَصْنَعُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ
: نَعَمْ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ ،
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تَبْكُوا عَلَى
الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ وَلَكِنِ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ
غَيْرُ أَهْلِهِ ». رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط.
وروى البيهقي وغيره بالإسناد أَنَّ خَالِدَ بن
الْوَلِيدِ فَقَدَ قَلَنْسُوَةً لَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، فَقَالَ : اطْلُبُوهَا
فَلَمْ يَجِدُوها ، ثُمَّ طَلَبُوهَا فَوَجَدُوهَا. فَإِذَا هِي قَلَنْسُوَةٌ
خَلَقَةٌ فَقَالَ خَالِدٌ : اعْتَمَرَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ ،
فَابْتَدَرَ النَّاسُ جَوَانِبَ شَعْرِهِ ، فَسَبَقْتُهُمْ إِلَى نَاصِيَتِهِ
فَجَعَلْتُهَا فِي هَذِهِ الْقَلَنْسُوَةِ ، فَلَمْ أَشْهَدْ قِتَالا وَهِيَ مَعِي
إِلا رُزِقْتُ النَّصْرَ.
فلا التفات بعد هذا إلى دعوى
منكري التوسل والتبرك بآثاره الشريفة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
معرض صور الآثار النبوية الشريفة
معرض لبعض آثار النبي محمد صلى الله عليه وسلم
مكتبة الفيديو لبعض الآثار